أجابني ببرود : انت ِ ما عرفتي ؟ ابنك انعمى!!

اسمي إسراء صلاح داود
أخصائية تربية خاصة ،أم لأربعة أطفال ، كنت أعمل معلم مساعد لتخصص التربية الخاصة في كلية المجتمع الإسلامي.

قصتي معكم 😍
بس قصتي طويلة وبتمنى تقرأوها 😊

بدأت قصتي يوم 11/6/2016 في الاسبوع الأول من رمضان ، اليوم الذي اكتشفنا به اصابة ابني الأكبر إسلام ذو العشر سنوات بسرطان الدماغ ، بعد أسابيع من التدهور العام لصحة إسلام ، واستشارة أكثر من طبيب لمعرفة سبب هذا التدهور ، كانت صدمة كبيرة غيرت مجرى حياتي بشكل كبير .
في اليوم الثاني توجهنا لمركز الحسين للسرطان ، وبعد عرض التقارير والاوراق على الأطباء تم إدخاله فورا لخطورة وضعه الصحي ؛ بسبب حجم الورم الكبير حيث كان بحجم ( 9 سم ) مسببا لضغط كبير بالدماغ وزيادة تجمع السائل المخي في حجيرات الدماغ ، قرّر الاطباء إجراء عمليتين : الأولى تركيب صمام بالدماغ ومد انبوب للمعدة لتصريف السائل المخي وتخفيف ضغط الدماغ ، وبعدها باسبوع العملية الكبرى لاستئصال ما يمكن من الورم وعمل الخزعة.
يوم 13/6/2016 بعد إجراء العملية الأولى بدأ إسلام بالهلوسة ورؤية أشياء غير موجودة بالواقع ، ظننت بأن ابني فقد عقله ، لم أعلم بأن واقعا مؤلما ينتظرني ، لاحظت تجنب الأطباء لي وكان تبرير الممريضين بأن تلك الهلاوس تعود للمخدر القوي الذي استخدم في العملية ، ألم شديد وابني يحدثني : ماما خلفك رجل يضحك .. ما هذه الحشرات والسحالي على الجدران ؟!! ماما هناك دماء علي يدي !! اذكر وقتها قبل اذان المغرب رأيت صدفة أحد أطباء فريق جراحة الأعصاب وركضت نحوه لأستفسر ..
سألته : اريد أن أطمئن لماذا يرى ابني هذه الهلاوس؟!
أجابني ببرود : انت ِ ما عرفتي ؟ ابنك انعمى !!
نزل الخبر علي كالصاعقة .. سألته وكلي أمل : هل سيرى مجددا بعد عملية الاستئصال ؟!
قال : ليس من أهداف العملية أن تعود الرؤية لابنك !!!
انهرت وشعرت بأن السماء طبقت على الأرض ، بكيت وصرخت ، اتصلت بعائلتي استنجد بهم وحملوني الى البيت.
لا أحب تذكر ذلك اليوم ، تلك الصدمة لو نزلت على جبل لانهار من شدتها ، لكني لم اسمح لنفسي بالانهيار أكثر من يوم واحد ، عدت في اليوم التالي متماسكة ، لم اسمح لمشاعري بالسيطرة علي ، كان تفكيري الوحيد : كيف ساخرج ولدي من هذه المحنة! ، أعلم بأن طفلي يحتاج القوة لمواجهة هذا المرض ولن يستمدها الا مني انا ولن أسمح لنفس بالانهيار.
تفاجأ الجميع من صمودي ، حتى كنت أرى نظراتهم تتهمني اما بالجنون أو عدم المبالاة ، لم أسمح لأحد بزيارة ابني أو الاتصال وهو في حالة بكاء ، اردت توفير بيئة نفسية مريحة ايجابية وداعمة لطفلي ، خاصة أن شخصيته مرحة ، لذا كنا نقضي وقتنا بالمستشفى بسماع المقاطع المضحكة على اليوتيوب والضحك ، أفهمته بأن وضعه مؤقت وانه سيتحسن مع العلاج والعملية المقبلة باذن الله .
حان موعد العملية الكبرى ، استغرقت خمس ساعات ، مرت كأنها دهر ، لكن ولله الحمد تبين أن نوع الورم حميد ويسمى بخبيث الموقع ، استطاع الأطباء استئصال 2سم فقط ، وبدأ اسلام يميز وجود الضوء من عدمه ، اخبرنا الأطباء بأن الغدة الدرقية تأثرت وسيأخذ علاجا لها مدى الحياة … لكنها عادت للعمل بشكل طبيعي بعد عدة أشهر .
بعد عشرة أيام ، راجعنا طبيبة الأورام للإطلاع على خطة العلاج الكيماوي ، وهنا صارحت الطبيبة إسلام بأنه لن يعود للرؤية مجددا ، تخيلوا حجم الصدمة لطفل بهذا العمر !! بكى كثيرا وبدأ يسألني : ماما لن أراكم مجددا ؟! ماما لن أرى وجه أخي الصغير ؟! لن أراه عندما يكبر ؟! لن أرى الألوان ؟!
ما كان مني الا وأقسمت له : أقسم لك يا أمي بأنك سترى ، سترى الألوان وسترى اخوتك ، ياماما انت مصاب بورم حميد هناك الكثير من المصابين بأورام خبيثة تم شفاؤهم ، ألن يكون الله قادرا على شفاءك ! الأطباء يفهمون لغة التقارير والأوراق ونحن نفهم قدرة الله سبحانه وعظمته .
سألني : كيف سأتزوج؟ كيف سأدرس ؟ طمانته وأخبرته بأنه لن يتغير شيء ، انا معك وبابا والعائلة معك ، سأكون عيونك وأي شيء تريده سنفعله معا.
بدأت مهمتي كاخصائية ، الان اصبح لوظيفتي معناً آخر ، خلال أسبوع أصبح اسلام مستقلا بذاته في البيت ، صادف ذلك عيد الفطر .. أول عيد بعد فقدانه لبصره ، كان رافضا بالبداية الخروج من المنزل لكني اقنعته بالخروج خصوصا أننا سنذهب لأماكن نعرفها واعتدنا الذهاب اليها ، وعندما تكون مستعدا سنكتشف أماكن جديدة معاً ، قيادة سيارة الملاهي من الألعاب المفضلة لديه كنا نلعبها معا هو عليه القيادة وأنا أدله على الطريق .
مع كل محاولاتي بدأ يدخل في مراحل من الاكتئاب والانسحاب الاجتماعي ونوبات الصراخ والبكاء ، لذا وجدت أن السوشال ميديا من الممكن أن يكون لها الاثر الايجابي ، أصبح له متابعين كثر من جميع أنحاء العالم يرسلون له الرسائل الايجابية ويسألون عنه ، كانت طريقة جيدة للتعبير عن ذاته دون خجل ، وكان لا اثر الكبير خصوصا الرسائل الصوتية من المتابعين .مع اني واجهت رفضا من العديد وهناك من اتهمني باني أحب جلب الشفقة على ابني ، لكني لم أعرهم اهتماما فأنا والدته وأدرى بمصلحته .
وبدانا جلسات العلاج الكيماوي .. كانت بشكل شهري على مدى 15 جلسة ، لم اسمح لاي أحد أن يكلمه عن عذابات الكيماوي ، وحولت هذا اليوم لنزهة .. قبل الجلسة نتناول وجبة الإفطار في المطعم وخلال الجلسة يكون ببث مباشر على السناب يكلم متابعية ويضحك معهم … بعد الجلسة زيارة لمنزل الجدة والعشاء على شرف اسلام باختياره ايضا .
استعنت بشخصية داعمة ، الدكتور رائد أبو مؤنس دكتور كفيف يعمل في الجامعة الأردنية كانت لقصة نجاحه وتميزه الأثر الكبير ، فتح لنا آفاق كبيرة وعلمنا كيف يستخدم الكفيف الانظمة الناطقة الخاصة للمكفوفين للتعامل مع الحاسوب والموبايل ، وقدم لنا الكثير من الارشادات والنصح .
تزامن ذلك مع بداية العام الدراسي ..ألحقته بالأكاديمية الملكية للمكفوفين ، لم أتركه وداومت معه الشهر الأول حتى يشعر بالامان في مكان جديد عليه ،أخبرت المعلمين بوضعه الصحي وكيفية التصرف عند أي طاريء، وبدأت بالانسحاب التدريجي ، الاسبوع الاول كنت معه في الغرفة الصفية ، الاسبوع الثاني كنت خارج الصف واعلمه بتواجدي بين الحصص ، الاسبوع الثالث انسحبت للساحة وكان يقابلني في الفرصة المدرسية ، الاسبوع الرابع اقتصر وجودي عند بداية ونهاية اليوم الدراسي ، خلال هذه الفترة عرفت اسلام على مرافق المدرسة ، وتأكدت من حفظه لها حتى يتنقل بشكل مستقل ، عقدت الأكاديمية دورة لتعليم طريقة القراءة والكتابة برايل للمعلمين الجدد ، التحقت بها وتعلمتها وكل ما كنت اتعلمه أعلمه لاسلام في المنزل وندرس معاً.
بعد انتهاء جلسات الكيماوي اعلن الاطباء نجاحهم في السيطرة على الورم والبدء بسحب الادوية بشكل تدريجي ، وبدأ اسلام يرى الخيالات والالوان القوية ان كانت قريبة من العين ولله الحمد.
بعد وصولنا لمرحلة من الاستقرار ونجاح اسلام في التكيف مع وضعه الحالي ومن واقع تجربتي ، فكرت في باقي امهات المكفوفين ، والاتي جاهدن وما زلن في طريق تربية ابنائهن ، ومع تهميش قضية المكفوفين وعدم وجود جهة تقدم للأسر الدعم اللازم والمشورة ، ومن ايماني بدور الام الاهم في تغيير واقع طفلها ، قررت بأن أغير واقع باقي الأطفال وان انقل نجاحي مع طفلي لباقي الاطفال وهم بأمس الحاجة لتقديم الدعم اللازم ( النفسي والاجتماعي والتأهيلي والمادي ايضا
بدات بفكرة مبادرة أمهات النور والتي قامت على فكرة مجموعات الدعم ، بدأت بتجميع الأمهات على جروب في الواتس اب لتبادل الخبرات وتقديم المشورة اللازمة والدعم النفسي بحكم اننا تجمعنا قضية واحدة الا وهي اطفالنا المكفوفين ، بدأنا ب 20 أم لطفل كفيف في شهر نيسان من عام 2018 في شهر ايار من نفس العام اطلقناها مبادرة تطوعية على ارض الواقع تعنى بالطفل الكفيف واسرته وتهدف لتقديم الدعم اللازم ودمج الاطفال بالمجتمع وخوض تجارب جديدة لم يخوضوها من قبل … قمنا بملتقيات كثيرة حققت الكثير من الاهداف التوعوية والنفسية والاجتماعية كان لها اكبر الاثر على نفسيات الاطفال واسرهم .
ومع اهمية اهدافنا واقبال الامهات على المبادرة وصلت الى 180 أم من امهات المكفوفين من جميع المحافظات وجدت ان من الضروري تحويل هذه المبادرة لجمعية رسمية تعنى بأسرة الطفل الكفيف .
في شهر 10 /2018 تم بحمد الله الموافقة على تأسيس الجمعية وأصبحت تابعة لوزارة التمنية الاجتماعية . باسم جمعية أمهات النور لدعم وتأهيل أسر المكفوفين ،وبدأنا بالعمل والسير بتحقيق اهدافنا المعلنه لتغيير واقع الطفل الكفيف في الأردن .اتراسها انا ومجموعة من امهات المكفوفين المحاربات والطامحات بمستقبل افضل لابناءنا .
لم اشعر بنجاحي فعلا الا عندما توجه ابني اسلام لي يوما بعد نشاط اقمناه للاطفال المكفوفين وقال لي : ( ماما بتعرفي أنا حاسس انه ربنا اصابني بهذا المرض عشان أكون سبب لسعادة غيري) هنا شعرت بأن الدنيا لم تسعني من الفرحة وكأني ملكت الدنيا وما فيها وسأكمل طريقي حتى آخر رمق.
ومن خلال جمعيتنا تعرف اسلام على فن جديد من الفنون الادبية اسمه فن الهايكو ابدع فيه وتمت مشاركة نصوصه وترجمتها على مستوى العالم وأصبح بشكل رسمي أصغر هايكست بالوطن العربي بشهادة معتمدة من جمعية برايل في فرنسا .. أُخذ نص من نصوصه وأصبح الشعار للمسابقة العالمية لشعر الهايكو على وهج نور برايل
بعشرة أعين
يكتشف العالم
لمسة كفيف
أدعوكم لزيارة صفحة الجمعية على الفيس بوك ورؤية الانجازات ،
وزيارة صفحة اسلام والتي تحمل اسمه ( اسلام حداد محارب السرطان )
عزيزاتي ليس الغرض من عرض قصتي اشعاركم بالألم بل أريد أن تؤمن كل واحدة منكن بقدرتها على تحويل المحن إلى منح بقوتنا وإيمانا بالله العظيم

اترك تعليقاً