باحث الدكتوراة الرحيلي: الأخطاء الانكسارية المسبب الرئيسي للإعاقة البصرية والأكثر انتشارا بين الأطفال

عيون الأطفال في خطر

محمد توفيق بلو – صحيفة غرب

الأطفال هم عماد المستقبل ولا شك إن التعليم والصحة هما أهم الدعائم الأساسية لضمان نشأتهم وتطور نمو مهاراتهم الذهنية والحسية والادراكية، وتعتبر حاسة الإبصار من أهم وسائل تلقي المعلومات والتعلم اذ تشير أبحاث ودراسات العلاقة بين المخ وعمليات التفكير وأنماطه التي تساعد على التعلم والأنشطة العقلية أن ما يتراوح بين 80-90% من المعلومات التي يتلقاها المخ تأتي عن طريق العين.

وفي وقتنا الحاضر يواجه الأطفال تحديات في حياتهم اليومية والدراسية في عامة دول العالم ومجتمعنا العربي بصفة خاصة بسبب انتشار أمراض عيون الأطفال والتأخر في اكتشافها. مما يترتب عليه مضاعفات تؤدي إلى اعاقتهم بصرياً، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية أن 70% من عمى الأطفال يحدث بالدول الفقيرة ويوجد نحو 1.4 مليون طفل مصابين بالعمى الذي لم يعد بالإمكان علاجه، وفي كل دقيقة يصاب طفل بالعمى، وما يقارب نصف مليون طفل يفقدون أبصارهم سنويا، ويقدر عدد الأطفال دون الخامسة عشرة الذين يعانون من ضعف البصر حوال العالم بـ 19 مليون طفل، على الرغم أن 80% من حالات العمى وحالات الضعف الشديد في البصر في شتى أنحاء العالم كان بالإمكان تفاديها عبر تفعيل سبل الوقاية أو الأخذ بأسباب العلاج، وهذا يسبب ضغوط على نظم الرعاية الصحية وخطط التنمية المستقبلية في البلدان التي تواجه ارتفاعات متزايدة في حالات الإعاقة البصرية بين الأطفال.

ولتسليط الضوء على هذه المشكلة وإيجاد الحلول لتفاديها تواصلت هاتفياً مع باحث الدكتوراة بجامعة ليفربول واخصائي أول بالبصريات وضعف الإبصار في مستشفى جامعة الملك عبد العزيز بجده وجمعية إبصار الخيرية سابقاً هاني عبد الله الرحيلي، وطلبت منه بداية تقديم لمحة عامة عن طبيعة تطور نمو وظيفة الإبصار لدى الأطفال، وبدوره أجاب:
عيون الأطفال عند الولادة محدودة الوظائف البصرية وتنمو وتتطور تدريجياً بمرور الوقت كما تنمو وتتطور حواسهم واعضائهم الأخرى مثل تطور النطق والمشي، فهي تبدأ برؤية ضبابية لا تتجاوز 30سم وحركات عين غير متجانسة وعدم القدرة على التتبع وتمييز الألوان ثم تتطور بشكل سريع خاصة خلال العام الأول وتصبح مثل بصر البالغين في المرحلة العمرية ما بين 3-5 سنوات.
وعن وظائف الإبصار وضح: إن مصطلح البصر هو مصطلح واسع النطاق يشمل جميع عمليات الجهاز البصري وجميع الوظائف البصرية. فالبصر يؤدي وظائف منفصلة، هي:
حدة الإبصار: مدى وضوح أو دقة الصور.
المجال البصري: رؤية ما يحدث على الجوانب عند النظر إلى الأمام.
الحساسية للتباين: تحديد التباين بين الاشياء وخلفياتها.
رؤية الألوان: التمييز بين مختلف الألوان والضوء المنبعث منها.
إدراك العمق والبعد الثلاثي.
تكيف الإبصار مع الظلام والقدرة على الرؤية في الضوء الخافت.
وإن أي خلل أو مشكلة تطرأ على إحدى وظائف الإبصار تؤثر على تطور الرؤية في مرحلة الطفولة ويؤدي الى ما يسمى الغمش أو كسل العين الذي غالبا ما يحدث في عين واحدة لكنه قد يصيب كلتا العينين ويصعب علاجه بعد عمر 7 سنوات.

أسباب مشاكل الإبصار عند الأطفال:

ولفت الرحيلي إلى أن الجهاز البصري عند الأطفال يتعرض لأمراض ومشاكل تختلف اختلافا كبيراً من منطقة إلى أخرى بالعالم فعلى سبيل المثال يشير تقرير منتدى صحة العيون التابع لمؤتمر ويش 2018 أن نقص فيتامين أ واعتام العدسة الخلقي وتندب القرنية في البلدان ذات الدخل المنخفض هي المسبب الرئيسي لضعف البصر في حين لا نجد ذلك في البلدان ذات الدخل المرتفع، فنجد أن المسبب الرئيسي لضعف البصر لدى الأطفال في المملكة العربية السعودية الاخطاء الانكسارية الغير مصححة والحول وكسل العين.
وبحسب الرئيس التنفيذي لمؤسسة براين هولدن الطبية ورئيس الوكالة الدولية لمكافحة العمى في افريقيا (كوفين نايدو) إن العيوب الانكسارية شائعة لدى الأطفال وقد تصل إلى 35% من سكان بعض الدول، ففي دراسة نشرت عام 2012 عن ضعف البصر لدى الأطفال بين 5-15عام وصلت نسية الأخطاء الانكسارية غير المصححة 80% في الهند وماليزيا وارتفعت الى 90% بالصين وتنزانيا، وكشفت دراسة أجراها قسم البصريات في الخدمات الملكية بالأردن أن 28% من طلاب المرحلة الابتدائية يعانون من مشاكل بصرية دون علمهم، وبحسب هيئة مكافحة العمى فإن حوالي 3% من أطفال الولايات المتحدة الامريكية لديهم صعوبات بصرية والمشكلة الأكثر انتشارا الاخطاء الانكسارية.

دراسات تؤكد انتشار مشاكل الإبصار بين الأطفال في مدارس المملكة:

يقول الرحيلي بالنسبة للمملكة حسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء بلغ عدد السعوديين الذين يعانون من مشكلات بالرؤية بدرجات متفاوتة 811.610 شخص، علماً أن شريحة الأطفال تشكل 30% من السكان السعوديين، وأظهرت عدد من الدراسات الفردية إن غالبية الأسباب المؤدية للمشاكل البصرية هي الاخطاء الانكسارية من قصر وطول النظر واللابؤرية وهي الأكثر انتشارا والمسبب الرئيسي لضعف البصر.
حيث نفذت جمعية إبصار حملة لاكتشاف عيوب الإبصار لدى الأطفال في العام 2015 تم خلالها زيارة (64) مدرسة في مرحلتي رياض الأطفال والابتدائية بجدة، تم خلالها فحص 21.427 طالب وطالبة، أظهرت نتائجها أن نسبة 28.07% كانوا بحاجة إلى إحالة طبية لعيادات عيون أطفال.
كما أجريت دراسات عبر حملات نفذت من جهات أخرى في المملكة أكدت وجود مشاكل إبصار بين الأطفال في المدارس بنسب مختلفة حيث تم زيارة 21 مدرسة ابتدائية في منطقة القصيم تم خلالها فحص 5.176 طفل أظهرت أن 16.3% كانوا يعانون من اخطاء انكسارية غير مصححة.
وعمل مسح بصري بمدينة جدة لـ 102 طفل قبل الإلتحاق بالمدرسة أظهرت أن 69% كانوا يعانون من أخطاء انكسارية غير مصححة و6% الحول، 1.3% كسل العين، وفي دراسة مماثلة لنفس الفئة العمرية بمدينة الرياض لـ 335 طفل وجد أن 20% لديهم اللابؤرية و 14% احتمالية حصول كسل بالعين.
كما أجريت دراسة في مدينة الرياض على 114 طفل في مرحلة التمهيدي و 300 طفل في الصف الاول والثاني الإبتدائي أظهرت أن 25% من أطفال التمهيدي و 22% من أطفال الإبتدائي لديهم أخطاء انكسارية.
وفي مدينة بريدة تم فحص 1413طفل في الفئة العمرية ما بين 6-13عام أظهرت أن 14.36% كان لديهم أخطاء انكسارية و2.61% كسل بالعين.
كما أظهرت دراسة إكلينيكية أجريت في مدينة الدمام على 1350 طفل في الفئة العمرية ما بين 5-15 عام أن 44.4% كانوا يعانون من أخطاء انكسارية، 38% حول و 9.1% كسل بالعين.
وفي دراسة أخرى إكلينيكية بمدينة جيزان على 385 طفل من 0-6 أعوام ظهر أن 36.9% كانوا يعانون من الحول، و 26.5% اخطاء انكسارية.

الوقاية خير من العلاج!

وشدد الرحيلي على أن المبدأ الأساسي للمحافظة على صحة عيون الأطفال هو الكشف المبكر الدوري حتى وإن لم تكن هناك مشكلة أو ملاحظة، لأن اكتشاف المرض مبكراً يمنع تطوره ويسهل علاجه مستقبلا، وقد شددت جمعية الرؤية الجيدة الألمانية على ضرورة الكشف وعلاج مشاكل البصر لدى الأطفال مبكراً قدر الإمكان كي ينمو الطفل بشكل طبيعي ودون قيود حيث أن ضعف البصر لدى الطفل يتسبب في بذله مزيد من الجهد والوقت للتركيز على السبورة والقراءة، وتراجع المستوى الدراسي، ولما له من تأثير مباشر على عملية النمو الطبيعية ومراحل تعليمه.
وفي بريطانيا توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية بإجراء فحص للنظر الأول خلال 72 ساعة بعد الولادة والثاني بين الأسبوعين 6- 8 من عمر الطفل. والثالث عند إتمامه عامه الأول أو بين 2 – 2.5 عام والرابع بين 4- 5 أعوام وبعد ذلك بشكل دوري كل عامين.

واقترح الرحيلي بأن تضم وزارة الصحة كشف البصر المبكر إلى دفتر التطعيمات الأمر الذي سيجعله إلزاميا ويبدأ مبكراً لما سيحدثه ذلك من فرق للأجيال القادمة،
ونصح أولياء الأمور والمعلمين بطلب فحص أعين أطفالهم كإجراء وقائي وضرورة أن يكون الفحص الزامي عند ملاحظة أي مشاكل أو علامات مثيرة للشك مثل انحراف العين للداخل أو الخارج، ارتخاء الجفن، اهتزاز ورأرأة العين، حجم العين غير طبيعي إما صغير أو كبير جداً، التحسس من الضوء، عدم تمييز الألوان، إمكانية الرؤية في فترة النهار أكثر من فترة المساء، عدم رؤية الكتابة بالسبورة أو الأشياء البعيدة، تغميض أحد العينين أثناء القراءة أو الكتابة، الشكوى من إجهاد العينين بعد الدراسة أو الصداع، إمالة الرأس أثناء القراءة أو التركيز، تقريب الكتاب أو الاجهزة بشكل زائد وصعوبة بالقراءة، جلوس الطفل بشكل قريب من التلفاز، الشكوى المستمرة من تعب عينيه وإجهادها، ضم العينين أو اغلاق العينين للتركيز، صعوبة تقدير المسافات، شكوى من رؤية مزدوجة، التعثر أو الاصطدام أثناء المشي، الرمش أو كثرة فرك العينين.

ونوه بأن رعاية عيون الأطفال والكشف المبكر ومكافحة الإعاقة وتأهيلها أمر يمس الطفل والعائلة والمجتمع والتنمية الشخصية والناحية الإقتصادية، مضيفاً بأن تجربة الصحة المدرسية في بعض الدول نجحت وساهمت في الكشف المبكر للمشاكل البصرية، ونحن في المملكة بإمكاننا تطبيقها بشكل أفضل باستغلال القفزة التكنولوجية التي نعيشها باستخدام الحاسبات والألعاب الذكية عن طريق مبدأ الكشف بواسطة اللعب ممثلة في برنامج آي سباي EyeSpy التقنية الأحدث عالمياً في هذا المجال فهو يختصر الزخم البشري والوقت والتكلفة ومن السهل إتاحته في كل مدرسة وبإمكان أي من منسوبيها التدرب على استخدامه.

وطالب بأن تبدأ الرعاية الأولية للعين من دكتور البصريات فهو الخط الأول للرعاية لديهم سواء تواجدوا في مراكز الرعاية الصحية الأولية أو بالمستشفيات، خاصة أننا في مرحلة برنامج التحول الوطني ورؤية 2030. منبهاً بان الأخطاء الانكسارية والكسل البصري من المسببات الرئيسية للإعاقة البصرية وهي في صميم تخصص البصريات. فإذا تم تفعيل الرعاية الصحية الأولية للعين بالمراكز الصحية عن طريق دكتور البصريات فسيتم فرز الحالات بشكل فعال ويختصر الوقت والجهد والتكلفة ومن أول زيارة يجد الطفل الكشف والعلاج وتوجيه حالة الإعاقة البصرية المكتشفة التوجيه الصحيح الأمر الذي سيخفف من الضغط على المستشفيات.

وخلاصة القول لما ذكره الباحث هاني الرحيلي عن مشكلة أمراض عيون الأطفال المؤدية للإعاقة البصرية الممكن تفاديها في بلادنا والعالم أجمع، لا بد من توعية المجتمع بأمراض عيون الأطفال وطرق الوقاية منها واجراء مسح بصري بصفة دورية لاكتشاف عيوب الإبصار لدى الأطفال في مرحلة مبكرة والتعامل معها في الوقت المناسب.

اترك تعليقاً