نافذة على #المكفوفين في #سيدي_سليمان في #المغرب

‏فؤاد طباق من سيدي سليمان

انقطع التيار الكهربائي فجأة، حاولت النظر من حولي فلم أبصر سوى السواد، لم أستطع أن أتحرك خطوة واحدة دون أن أمد يدي لأتحسس طريقي في هذا الظلام الدامس، باحثا عن نور أبدد به عتمة المكان، تعثرت هنا وهناك، ومرت علي لحظات عصيبة، لكنها ظلت مؤقتة، فأحسست بنعمة البصر، وتذكرت إكراهات فئة تعيش حياتها بيننا بلا نور وفي ظلام مستمر حتى الموت

الإعاقة البصرية في ارتفاع

تعد فئة المكفوفين وضعاف البصر من أكثر ذوي الإعاقات بالمملكة المغربية، حسب البحث الوطني حول الإعاقة الذي أنجزته كتابة الدولة المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين، وأعلنته وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية يوم الثلاثاء 26 أبريل 2016 بالرباط؛ والذي أكد البحث أن نسبة الإعاقة البصرية تبلغ حوالي 23.8 في المائة من نسبة الإعاقات الأخرى، وأن أزيد من نصف مليون مغربي يعانون من قصور له ارتباط بحاسة البصر. كما تشير الإحصائيات إلى أن 18.7 في المائة يعانون من عمى كلي، و72.8 في المائة هي نسبة ضعاف البصر، إضافة إلى 17.5 في المائة يعانون من اضطرابات أخرى لها صلة بحاسة البصر

اختار مكفوفو مدينة سيدي سليمان التكتل تحت لواء جمعية الاتحاد المغربي لتأهيل الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر، لتحسيس المجتمع المدني بمعاناتهم، والتعبير عن حقهم في الحياة مثل غيرهم من المواطنين، وتغيير نظرته الظالمة إليهم باعتبارهم مجرد “مساكين”، لا يستطيعون التصرف لوحدهم رغم أنهم قد يملكون “الحكمة” التي لا يملكها المبصرون

وتضم هذه الجمعية أكثر من 50 عضوا، أغلبهم شيوخ تتراوح أعمارهم بين الستين والثمانين، يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة وإكراهات تنغص معيشتهم، وتجعل طعمها أكثر مرارة في الحلق؛ وأحيانا تنتابهم مشاعر الاستسلام لليأس بعدما كانوا نشطاء أصحاء في شبابهم، قبل أن يفقدوا بصرهم إما بمرض أو بفعل حادث في الطريق أو بفعل خطأ طبي

قصة كفيف..الظلماء في المسيرة الخضراء

زارت هسبريس جمعية الاتحاد المغربي لتأهيل الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر بمقرها المتواجد بأولاد الغازي بسيدي سليمان، ورصدت الحالة المزرية التي يعيشها المكان الذي تم تشييده منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والتقت بعدد من المكفوفين الذين تحدثوا بحسرة ومرارة عن قصصهم مع الإعاقة ونظرة المجتمع الدونية إليهم، ووقفت على معاناتهم ووضعيتهم التي وصفوها بـ”الصعبة”، والتي تستدعي تدخل المسؤولين والمحسنين

“كان عمري 23 سنة حينما تطوعت في المسيرة الخضراء استجابة لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، وكنت ضمن بعثة الهلال الأحمر التي كانت مسؤولة عن صحة وسلامة المتطوعين في المسيرة، عندما أصبت في عيني”، يحكي لكبير الشيكر، وهو كفيف في عقده السابع، لهسبريس الإلكترونية، عن بداية إصابته بالعمى، ثم يضيف: “كان ذلك بداية شهر نونبر من سنة 1975 بمدينة طرفاية، وقت الظهيرة، عندما كنت أقوم بجمع نوع من الأعشاب الصحراوية الشوكية، من أجل إيقاد نار “الفرّاح” الذي سأطهو عليه خبز الغذاء، فتناثر منها سائل حمضي يشبه “الما القاطع” في خطورته، وأصاب عينيَّ، فأحسست بالتهاب شديد فيهما، واحمرار واضح تقلص شيئا فشيئا بعد أن غسلتهما بماء البحر المالح، ولم أتمكن من فتحهما إلا بصعوبة بالغة”

يتذكر الشيكر مرحلة ما بعد الحادثة بكل تفاصيلها رغم مرور أكثر من 40 سنة على وقوعها، ويقول: “بقيت على تلك الحالة لمدة شهر و20 يوما، حتى أعطى الحسن الثاني أمرا بالعودة إلى الديار، فقصدت مستشفى الإدريسي بالقنيطرة من أجل العلاج وأنا أشعر بحالة عيناي تتدهور يوما عن يوم، فأعطاني الطبيب “تقطيرة العينين” وطمأنني بأنهما ستعودان كما كانتا من قبل إذا التزمت بأخذ الدواء باستمرار، لكن الوضع لم يتحسن رغم مرور سنوات من التنقل بين مستشفيات القنيطرة والرباط، فبدأت أحس بنورهما يتلاشى شيئا فشيئا، وبدأت أفقد ماهية الأشكال والألوان ووجوه مَنْ حولي، حتى خرجت من عالم البصر ودخلت عالم العمى كليا قبل 12 سنة من الآن”

وختم لكبير حديثه قائلا: “منذ ذلك الوقت وأنا أعيش ظروفا اجتماعية قاسية ونفسية متأزمة، وبعد أن تقدمت بطلب الحصول على مأذونية نقل سنة 2006 لكي تساعدني على تجاوز تكاليف الحياة الصعبة، تمت الاستجابة لطلبي وحصلت على مأذونية نقل مزدوج بعدما اجتزت جميع مراحل الحصول عليها، إلا أنني أفاجأ بأنها ذهبت لأشخاص آخرين يستغلونها دون وجه حق.. “وعييت ما نطلع ونهبط للعمالة بين القنيطرة وسيدي سليمان وحتى واحد ما نصفني هدي 13 عام””

معاناة في غياب المساعدات

“ماكانلقاو ما ناكلو هنا وماعندناش باش نخلصو الضو والما” يقول جلول البياضي، البالغ 73 سنة، رئيس الاتحاد المغربي لتأهيل الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر، فرع سيدي سليمان، لهسبريس الإلكترونية، متحدثا عن الوضعية المزرية التي يعيشها الكفيف يوميا داخل مقر الجمعية، ثم يضيف: “كنا نتلقى مساعدة من التعاون الوطني كل شهر عبارة عن كيس دقيق واحد و3 لترات من الزيت إلى حدود سنة 2015، بعد ذلك انقطعت هذه “المساعدة” لمدة سنتين لتعود في حلة “جديدة” عبارة عن “كرطونة” تحتوي على 3 كيلوغرامات من الأرز، ومثلها من العدس والسكر، و3 لترات من الزيت و5 كيلوغرامات من الدقيق، نتسلمها مرة كل ستة أشهر”

وزاد جلول والحزن يظهر من تحت نظارتيه السوداويين: “واش حنا فراخ؟ واش حنا حمام؟ الدجاجة إلى عطيتيها 3 كيلو روز في 6 أشهر ماتقدهاش، حشومة هاد المساعدة ياخذها الكفيف”

من جهته قال عبد القادر كصاب، وهو كفيف من مواليد 1938: “معاناة المكفوفين لا تقتصر داخل مقر الجمعية على المتطلبات الغذائية، بل تتعدى إلى غياب الأفرشة والأغطية، وهو ما يمنعنا من المبيت هنا”، مضيفا: “الحالة تزداد سوءا في فصل الشتاء بفعل “القطرة” التي تنزل على رؤوسنا”، ومشيرا إلى “غياب ميزانية قارة أو مدخول دائم يساعد على القيام بالإصلاحات الضرورية داخل المقر، وأداء واجبات المساعدين في الطبخ والنظافة والحراسة”

من جهة أخرى أوضح حميد الحجام أن “أغلب سكان مدينة سيدي سليمان لا يعرفون هذه الجمعية التي تعنى بالكفيف وضعيف البصر”، مرجعا ذلك إلى “تواجدها داخل تجمع سكني شعبي وهش، ما…..

اترك تعليقاً