‏أن ترى ببصيرتك حتى لو فقدت بصرك .. حكايات من حياة معلم كفيف

‏”النور مكانه في القلوب”، بهذه الكلمات تغنى الفنان مدحت صالح، تأكيدًا منه على مبدأ “أن ترى ببصيرتك قبل أن ترى ببصرك”، لأن العمى الأول هو عمى القلوب والنفوس، فعلى الرغم من كون بعض المهن تحتاج لنشاط بدني، ويؤثر عليها العجز في بعض الأحيان، إلا أنه كل فترة يخرج بطل من متحدي الإعاقة، ليثبت لمن حوله أن الإرادة هي الفارق الوحيد بين البشر

رجل طويل القامة، أسمر البشرة، له ملامح مصرية أصيلة تذكرك بلون أرض مصر الخصبة، يبلع من العمر 42 عام، عاش منها 32 عام يرى ببصيرته وقلبه، بعدما فقد بصره وهو طفل صغير، يتكئ على عصا تهديه السبيل، وتغنيه عن الاعتماد على أي شخص أخر

‏”لا أعرف شيئًا اسمه مستحيل”، بهذه الكلمات بدأ سامح محمد بطل قصتنا حديثه مع “الطريق”، كما اتخذها قاعدة يسير عليها في كل أمور حياته، بعدما فقد بصره وهو في العاشرة من عمره

كسر “سامح” كل قيود المجتمع التي طالما كبلت يداه، وضرب بكلام كل من قال له إنه لن يستطيع مساعدة نفسه بنفسه عرض الحائط، ليكمل تعليمه، ويصبح معلمًا للغة العربية للطلاب المكفوفين بطريقة “برايل” ويحترف تشكيل الأدوات المنزلية بـ”البامبو”

ولد سامح محمد عام 1982 ليفتح عينيه على والدته، لكن تشاء الأقدار أن يصاب بصر الصغير وقتها بالـ”مياه البيضاء”، بعد 6 أشهر من حضوره للحياة، ما أحزن كل من حوله، وذهبوا به لأطباء عدة، حتى اهتدوا لإجراء أول عملية جراحية له بعد اتمامه عامه الأول

نجحت العملية التي أجراها الصغير، لكنه فوجئ بأن نظره بدأ يتراجع وهو في السادسة من عمره، والتحق بإحدى المدارس الابتدائية، إلا أن قدرته على الرؤية بدأت تتراجع، قبل أن يكمل عامه الدراسى الثاني، لينقل لمدرسة للمكفوفين في شبرا

كان من المفترض أن يلتحق “سامح” بالصف الثالث الابتدائي، ولكنه بدأ من الصف الأول، ولكن ذلك لم يحبطه، بل كان دافعًا له ليحصل على المركز الأول في كل سنوات دراسته، ويلتحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة

عمل “سامح” في أكثر من مكان، وبدأ من مركز شباب إمبابة، وذلك لتلبية احتياجات أسرته، بعدما تزوج ورزق بمولودته “شهد” في عام 2004، ثم رزق بـ”أحمد” في عام 2007

ترك “سامح” العمل في مركز الشباب بعد نقله لمحل سكنه، وبدأ العمل في إحدى الشراكات العالمية بمجال الرعاية اليومية لفترة قصيرة، قبل أن ينتقل للعمل في جمعية “نور البصيرة” ليدرس اللغة العربية التي طالما أحبها للمرحلة الابتدائية، وتعلم طباعة كتب برايل واحتراف بعض الأعمال اليدوية مثل البامبو والنسج اليدوي

اقرأ ايضًا: تعامل مصر مع ملف كورونا يحظى باهتمام القيادة السياسية ويتسق مع رؤية مصر 2030

ويعتمد “سامح” على نفسه في الخروج للعمل بمساعدة عكازه وما حفر في ذاكرته من شكل الطرق والشوارع وهو صغير، فهو حتى الأن يحفظ الطرق التي ذهب إليها قبل ذلك

كما يقدم المساعدة لجيرانه، بتوفير حصصا مجانية لتعليم اللغة العربية لأولادهم، حتى يقلل من الأعباء من على كاهلهم، وذلك عن طريق قراءة أحدهم للدرس، ويشرحه المعلم الكفيف بعد ذلك، اعتمادا على ما درسه

اترك تعليقاً